أفلام لا تُنسى.. حكاية "الفك المفترس"




كتب: محمود الصيفي

على شاطئ هادئ في مدينة «أمیتی» الأمريكية، وفي أمسية مقمرة، تجمع بعض الشباب يرقصون ويغنون استعدادًا للعيد القومي الذي سيبدأ بعد يومين.. فجأة انسحبت فتاة من هذا التجمع الصغير وأسرعت نحو الشاطئ يتابعهـا أحد أصدقائها.. عندما قفزت إلى المياه قالت: الاستحمام جميل أثناء الليل وتعثر الشاب في خلع حذائه.. وفجأة سمع صراخ صديقته.. فأخذ يناديها مذعورًا.. لم يسمع منها سوى الصراخ.. ثم اختفت في الأعماق بعد أن جذبها شيء بالغ القوة.

في صباح اليوم التالي توجه الشاب إلى مكتب الشرطة وقال للضابط «برودي»:

أعتقد أنها غرقت.

اصطحب الضابط «برودي» قوة كبيرة من الشرطة وتوجه إلى مكان الحادث، وهناك فوجئ ببقايا جثة الفتاة.. فأمر بنقلها إلى المشرحة لمعرفة سبب الحادث.. وهناك عرف أن سمكة ضخمة قد مزقت جسد الفتاة.. وأنها من نوع القرش.

ولأن «مارتن برودي» رجل هادئ، ومسالم، ويحب زوجته وابنه، فإنه يعيش حياة أسرية سعيدة، وهو إنسان محبوب من أبناء مدينة «أميتي» لذا وجد نفسه في حيرة عقب هذا الحادث البشع، فهناك سمكة قرش متوحشة يمكنها أن تهاجم المصطافين.. وتتكرر الكارثة.

وفي صباح اليوم التالي أصدر «برودي» أمرًا بإغلاق الشاطئ، وعندما علم عمدة المدينة بهذا القرار ثار ووقف إلى جانبه كل أصحاب المشروعات التي تقام بمناسبة موسم الصيف.. ويجد «برودي» نفسه في موقف صعب، ويأمر بفتح الشاطئ.

وجد الضابط أن أفضل وسيلة هي أن يجلس إلى جوار الشاطئ يرقب البحر والمصطافين متأهبًا في كل لحظة للهجوم على أي سمكة قرش يمكنها أن تقترب من الشاطئ.

لكن الحادث يتكرر.. ويذهب هذه المرة صبي صغير في الحادية عشرة من عمره.. فانتشر الرعب بين جموع المصطافين.. وسكن الخوف القلوب.

وفي اليوم التالي. وبينما كان يجلس «برودي» أمام الشاطئ يرقب المياه الزرقاء.. شاهد امرأة ترتدي الملابس السوداء وتقترب منه وهي تبكي، وعندما وقفت أمامه انهالت عليه بصفعة ساخنة وقالت: لقد كنت تعلم.

في اليوم التالي أعلنت الصحف المحلية في مدينة «أميتي» أن هناك مكافأة مالية ضخمة رصدتها أم الصبي لمن يصطاد سمكة القرش..

وسرعان ما خرجت مراكب الصيد للبحث عن القرش ذي الفك المفترس، وعمت المدينة فرحة وحماس من أجل نهاية الكابوس الذي سكن القلوب في الفترة الأخيرة.

وعادت المراكب بعد فترة قصيرة وقد حملت إحداها سمكة قرش بيضاء كبيرة، وسرعان ما حملوها وعلقوها في منتصف المدينة، ورقصت المدينة.. وحرص الكثير من المصطافين على التقاط صور تذكارية لهم إلى جوار الفك المفترس.

كان «برودي» هو أكثر الناس سعادة بهذا الإنجاز العظيم، فسوف يخفف هذا كثيرًا من معاناته، لكن فرحة «برودي» لم تستمر حينما أعلن له الشاب «هوفر» أن هذه السمكة ليست هي المطلوبة، وأكد له ذلك عندما قام بتفريغ بطنها فلم يجد بداخله ما يشير إلى أنها التهمت لحمًا بشريًّا.

شعر الضابط بخيبة أمل، فالخطر لا يزال قائمًا.

ومن جديد حدث صدام بين الضابط والعمدة.. فـ«برودي» يود أن يسود الأمن المدينة حتى ولو أغلق الشاطئ.. أما العمدة فهو يود أن ينجح موسم الاصطياف.

وعندما تسربت الأنباء إلى المصطافين خلت المياه من المستحمين، وشعر العمدة بالتحدي فالخوف يتملك القلوب..

همس العمدة في أذن أحد كبار المصطافين قائلًا:

- يمكنك أن تنزل وأسرتك فيتشجع الآخرون.

وبخطوات مترددة جذب الرجل أفراد أسرته.

واتجه الجميع نحو المياه وسط عيون مليئة بالرغبة في النزول إليها، وما إن نزل الرجل وأسرته حتى تبعته أسرة ثانية.. وهرول الأطفال إلى المياه، وتعالت الأصوات تعبر عن الفرحـة والسعادة.. بعضهم يسبح، والبعض الآخر يرش زملاءه بالماء.. والضابط «برودي» یقف بعيدًا يرقب الموقف في قلق شديد، فلو حدث شيء يعكر صفو المكان لأصابه حزن شديد.

وفجأة لمح البعض زعانف سمكة القرش تسبح فوق المياه.. قريبًا من جموع السابحين، فحلَّ الصراخ بدلًا من الفرحة، وأصاب المكان ارتباك وهرج شدیدان، فاصطدم بعضهم ببعض، ونست الأمهات أبناءهن في المياه، واقتربت الزعانف أكثر.. بينما وقف «برودي» يفعل ما بوسعه لنقل الأطفال من المياه إلى الشاطئ.. لكن فجأة انكشفت الحقيقة.

فلم تكن الزعانف سوى خدعة لبسها طفلان بدافع المزاح، ويا لهُ من مزاح ثقيل.. بل قاتل.

ففي تلك اللحظات بالفعل كانت سمكة القرش قريبة من الشاطئ.. وفي هذه المرة اختارت أن تقترب من حمام السباحة القريب من الشاطئ، فهاجمت قاربًا صغيرًا يركبه رجلان.. فقتلت أحدهما ولاذ الآخر بالفرار.

بعد هذه الأحداث الجسيمة، كان على عمدة مدينة «أمیتي» أن يصدق أن هناك خطرًا يهدد المصطافين.. بل والمدينة بأكملها.. فأسرع باستدعاء «كوينت».. أشهر صیاد حيتان في المنطقة.

قال «كوينت»: سمكة القرش التي نحن أمامها كبيرة وخطيرة ويلزمنی مبلغ كبير لاصطيادها.. وتردد العمدة في أول الأمر أمام المبلغ الذي طلبه «كوينت».. لكنه وافق.. وتم الاتفاق على إعداد مركب صغير يبحر فيه كل من «كوينت» صائد الحيتان و«هوفر» المتخصص في علوم البحار والضابط «برودي».. من أجل رحلة شاقة لاصطياد سمكة ضخمة.

وبدأت الرحلة وسط هدوء البحر.. وصخبه.. وبين زرقة السماء المنعكسة استعد الرجال الثلاثة للمواجهة مع سمكة القرش ذات الفك المفترس..

جلس «كوينت» يحكي عن ذكرياته مع القروش والحيتان.. قال: إنه اصطاد أجمل الأسماك، وأكثر القروش افتراسًا.. وأحلى حيتان البحار وأكبرها حجمًا.. وقال: إنه لم يستعمل عضلاته أبدًا في مواجهة خصمه.. بل استعمل عقله وخبرته.. وبينما يحكي «كوينت» عن أجمل ذكرياته ووسط الليل الساكن.. أحسَّ الرجال الثلاثة بمن ينغص عليهم هدوءهم.. ويفسد عليهم متعة حكايات الليـل.. لقد بدأت السمكة في مهاجمتهم.. إنها تختبر قوتهم.. وتجعلهم يشعرون بمدى ما تتمتع به من قوة..

وفي الصباح بدأت المعركة الحقيقية..

رمی «کوینت» بالطعم للقرش، وعندما اقتربت السمكة أطلق عليها طلقة قوية سرعان ما غرست في لحمها السميك..

لم تكن الطلقة سوى سهم مربوط في حبل عقدت في نهاياته مجموعة من البراميل الصفراء التي أصبحت تشكل حملًا ثقيلًا على السمكة، فلم تعد تستطيع الغوص داخل الأعماق إلا کي تظهر من جديد.

وکي تكشف السمكة عن قوتها مرة أخرى اقتربت نحو السفينة ودفعتها بجانبها فكادت تحطهما، ولم تنجح الرصاصات في اختراق جسدها السميك.

هنا هتف «هوفر» عالم البحار: لن نهزمها سوى بحقنة المخدر.

وسرعان ما أعد القفص الحديدي، ونزل به إلی أعماق البحر منتظرًا اقتراب السمكة كي يطلق عليها حقنة المخدر، وقبل أن يصل إلى الأعماق اقتربت السمكة بجسمها الهائل.. وأرادت أن تلتهم القفص الحديدي بمن فيه.. لكن القفص لا يستطيع الفكاك من بین أنياب الفك المفترس.. فيدفعه بقوة تجعل حقنة المخدر تسقط من بين يدي «هوفر».. الذي أفلت هاربًا من موت محقق.

على السطح دارت المعركة الأخيرة بين سمكة القرش المتوحشة وبين الرجلين، فاقتربت من المركب الصغير واندفعت تحطم مقدمته.. ولم تنجح بندقية «كوينت» صائد الحيتان في إصابتها.

وعندما مال المركب الصغير بعد الضربة الثانية.. لم يستطع «كوينت» أن يتوازن فانزلق ناحية الفك المفترس الذي التقطه بسهولة فأطبق بأسنانه عليه.. يلتهمه قطعة وراء أخرى وسط صرخات لا يسمعها أحد سوى.. «برودي».

لم يبق أحد أمام السمكة المفترسة سوى هذا الضابط الرقيق.. الذي يميل دائمًا إلى استخدام عقله قبل عضلاته.. إن مركبه يغرق.. وعما قريب سوف يغوص في الأعماق.. وها هو وحده أمام سمكة تجري نحوه من جديد کي تلتهمه مثلما فعلت مع صائد الحيتان.

وسرعان ما هداه تفكيره إلى أنابيب الغاز الصفراء.. إنها شديدة الانفجار.. لقد التقطت سمكة القرش إحدى هذه الأنابيب، ولكنها لم تبتلعها بعد.. حمل «برودي» بندقيته وهو يتوسل إلى السمكة أن تقترب.

هيا.. تعالي يا صديقتي فإني أريدك أن تأكلي لحي الشهي.. واقتربت السمكة أكثر..

وصوب «برودي» بندقيته بدقة، واقتربت، وصوب بدقة أكثر ثم أطلق رصاصته الأولى.. لكن الرصاصة طاشت ولم يفقد «برودي» الأمل.. فأطلق رصاصته الثانية وهو يصيح: تعالي.. والتهمي لحمي الشهي.

وفجأة لمست الرصاصة الأنبوبة الصفراء فاخترقتها وفي لمح البصر انفجرت.. وأصبحت السمكة المتوحشة أشلاء لحم متناثرة فوق سطح المياه.

ويصرخ الضابط: آه يا صديقتي.. إن لحمك هو الشهي.

وانتهت المعركة وبعد قليل صعد «هوفر» من أعماق البحر ليجد زميله قد انتصر على سمكة القرش فيبتسم ويهلل من السعادة.. ورغم أن القرش قد حطم المركب الصغير، وصائد الحيتان قد مات، إلا أن انتصارهما كان كبيرًا.. فقد أنقذا مئات الناس من شرور السمك المتوحش.. وتعلق الصديقان بقطعة من الخشب من بقايا المركب، وأخذا يسبحان ناحية الشاطئ البعيد، بينما صاح أحدهما: يا صديقي.. سوف نصلُ بعون الله.


الكاتب بيتر بنشلي

هو كاتبٌ أمریکيٌّ معاصر - ٤٨ عامًا.. ويعد أشهر من كتبوا عن البحر في السنوات الأخيرة.. نشر روايته الأولى «الفك» في عام ١٩٧٣ وبيعت منها ملايين النسخ.. ثم ما لبثت أن تحولت إلى فیلم سینمائي مشهور أخرجه «ستيفن سبیلبرج» وعُرض في مصر تحت اسم «الفك المفترس».. أما بقية رواياته فتدور جميع أحداثها في البحر مثل روايته «الأعماق» التي تحكي قصة مجموعة من المغامرين الباحثين عن الذهب في أعماق المحيط الهادئ.. وقد تحولت هذه الرواية أيضًا إلى فيلم شهير في عام ١٩٧٧.. ومن رواياته الأخرى المشهورة «بنت البحر»، المنشورة عام ١٩٨٢ حول فتاة صغيرة في السادسة عشرة من عمرها تعشق البحر وتعتبرهُ أبًا لها..

٦ مشاهدات٠ تعليق