الشهاوي: حجاب الساحر عملي الروائي الاول وأحب الحكي دون ثرثرة


حجاب الساحر.. الرواية الأولي لأحمد الشهاوي تواجه التناقضات السيئة للطبيعة البشرية و تكشف عن عالم غرائبى من الحب والأوجاع

كتب: محمد قابيل


رواية «حجاب الساحر»، هي العمل الروائى الأول للشاعر أحمد الشهاوى بعد إصداره العديد من الدواوين الشعرية، وقد ارتكز أحمد الشهاوى في روايته هذه تجربته علي الخيط الأبهى الذي يربطه بالعالم، وجعل من هذه التجربة وسيلة وطريقة ولغة وأسلوبا في الكتابة والحكى والتحليل للشخصيات والأحداث وحتى وصف الأماكن، وكذلك أعتمد علي الكتابة عن الحب التي برع فيها حتى يمكن القول إنه رائد ومؤسس لنوع أدبى جديد هو «أدب العشق». كما يمكن وصفها بأنها رواية المغامرات الصعبة والرهانات الكبيرة، والسحر والأساطير والوعى، هي عمل فنى يغوص في النفس البشرية ويحاول سبر أغوارها بطرق ووسائل شتى، أولاها فهم الذات والتوافق معها ومعرفة قيمة بصمة الروح وتأثيرها كطاقة كبرى تحرك الإنسان وتتحكم في مصيره بوعى أو دون وعى، وربما آخرها التوصل لصيغة مصالحة مع العالم بعد تحقيق السلام الداخلى سواء من خلال العشق كفعل مادى أو كحالة روحية ممتدة للأبد.


الكتابة تحررني وتعالج روحي من أسقامها وتجعلني مستقلا ومنحازا لنفسي
مصطفى عبادة: سوف تظل شخصية «شمس حمدى» بطلة رواية «حجاب الساحر» للشهاوى طويلا في ذاكرة الرواية العربية
الروائى المغربى حسن نجمى: أحمد الشهاوى شاعر عربى من مصر شيد لنفسه وضعا اعتباريا لافتا للانتباه

والرواية تحكى جُزءًا مُهمًّا من سيرة حياة شمس حمدى، تلك المرأة التي تُراودُها الأشباحُ عن نفسها كل ليلة، المثيرة الفاتنة الآسرة الجميلة، هي امرأةٌ خمسينيةٌ درست العلوم السياسية، وعاشت حياتها الجامعية مُهتمةً بالسياسة مُناهضةً للسلطة، ثم أغرمتْ بتاريخ مصر القديمة، حتى آمنت أنها إلهةٌ مصريةٌ هي سخمت: (تعيشُ في داخلها إلهةٌ أتتْ لتخلِّص الناس من الشُّرور والآثام)، وظلت تعيش وسط الناس، وبين بناتها الثلاث، وأهلها هكذا، ربما لأنَّ فيها من سخمت القوة والحُب والجنس والجمال. شمس حمدى التي تحملُ عقلًا وجسدًا يُنيران الظلمات في الحياة، ويأسران من يقترب منها، حيثُ تتمتَّعُ بقدرٍ كبيرٍ من الصدق والذكاء، وهى تدركُ سرَّ قوتها، وتعرفُ ماهيتها، هي امرأةٌ خمسينيةٌ درست العلوم السياسية، وعاشت حياتها الجامعية مُهتمةً بالسياسة مُناهضةً للسلطة، ثم أغرمتْ بتاريخ مصر القديمة، حتى آمنت أنها إلهةٌ مصريةٌ هي سخمت: (تعيشُ في داخلها إلهةٌ أتتْ لتخلِّص الناس من الشُّرور والآثام)، وظلت تعيش وسط الناس، وبين بناتها الثلاث، وأهلها هكذا، ربما لأنَّ فيها من سخمت القوة والحُب والجنس والجمال، وهى تمثّل كسيدة برأس لبؤة جالسة على العرش أو واقفة، وتمسك بيدها مِفتاحَ الحياة، يعلو رأسها قرصُ الشَّمس وثعبان الكوبرا. ومن ثم تتناول رواية «حجاب السَّاحر» عبر سيرة شمس حمدى شريحةً مهمةً من مُجتمع البرجوازية، من دون أن تغفل سيرة الحُب والجنس، والعلاقات الإنسانية بين أفراد العائلة الواحدة، حيث عانت شمس حمدى من سوء وتدنِّى أخلاق بعض الأقرباء من الدرجة الأولى: (شمس حمدى ليستْ شخصيةً مأساويةً، لكنَّها بكلِّ تأكيدٍ ملأى بالغريبِ والعجيبِ من العناصرِ التي تتداخلُ مع بعضها، فقد وُلدت لعائلةٍ تقليديةٍ محافظةٍ بنَتْ نفسها، وتعلَّمتْ بشكلٍ عادى، مارستِ السياسةَ وانخرطتْ في العمل السرِّى، الذي لم تواصله بسبب اعتراض الأب الدائم وخوفه عليها من السّجن، ومن البطشِ). وعلى الرغم من كون شمس حمدى امرأة قوية فقد ضربتها الأمراض هي وبناتها، من جرَّاء فعل السِّحر الذي عُملَ لها، حتى تعثَّرت حركتها وحياتها، ووهنت وارتبكت وقلَّت حيلتها، فتُسِرُّ لحبيبها الذي ارتبطت بها لسنواتٍ، ثم ابتعدت من دون أن تذكر أسبابًا للنأى، فاحترم رغبتها في الابتعاد، أن هناك أعمالًا سحريةً تُعرقِلُ حياتها، ولم تكُن تعرفُ أنَّ حبيبَها عُمر الحديدى هو في الأصل له صِلةٌ عميقةٌ بالسِّحر، فاهتم بالأمر وقابل شيوخَه، ومن يعرفهم من السَّحرة، ليجدوا حلًّا لها، ويعرفوا أمكنة الأعمال ومن قام بها، كما أنه اصطحبها لتمكُث ليلةً داخل الهرم الأكبر، حيث لاقت الأهوال، ورأت ما لم يره بشرٌ من قبل، ثم إلى البحيرة المُقدَّسة في الأقصر، وهى أعجوبةٌ من عجائب الحضارة المصرية القديمة عمرها أكثر من ثلاثة آلاف عام، مياهها لا تجفُّ نهائيًّا. كما أنَّ منسوبَ المياه فيها ثابتٌ لا يتغيرُ من دون زيادةٍ أو نقصان، ولم يظهر بها أي طحالب أو روائح، وكانت بعض النساء يأتين إلى البُحيرة المقدَّسة للتبرُّك بها، إذْ يعتقدن أنَّ مياهَها تُعالجُ الأمراضَ المُستعصيةَ والعُقم، كما اصطحبها إلى شيوخ السِّحر في دلتا مصر، ثم الرحلة الأهم إلى جزيرة سُقَطْرة اليمنية، حيثُ يوجدُ شيخُ الجن الأكبر، الذي يُقرِّر لها ماذا تفعل، ولكن قبل أن يصلا إلى اليمن كان أكثر من شيخٍ قد فكَّ اللغزَ الغامضَ ومنح شمس اسم من قام بالأعمال، لتكتشف أنه واحدٌ من أسرتها، صارت مَهمَّته في الحياة النَّيْل منها، ولم يكتف حبيبها بالكشف عن اسمه مع شيوخِه بل عمل له سِحْرًا ضرب جسده كاملا، حتى لم يترك المرض جُزءا منه إلا نخره. و«حجاب الساحر» ليست رواية تُرْوَى ليتسلَّى بها القارئ، لكنها تحمل حياة شمس حمدى الخصبة، والثريَّة في تنوُّعها، «فهى امرأةٌ تظهرُ كلَّ ليلةٍ، وكلَّ نهارٍ في شأنٍ، إنَّها نساءٌ عديداتٌ، وليستْ امرأةً واحدةً تُكَرِّرُ نفسها، إذْ هي تامة تعجبُ كلَّ أحدٍ، تأخذ بصرَكَ جُملةً، وقد تعلَّمتُ منها أنَّ الإنسانَ إذا ما أراد إزالةَ جبلٍ ضخمٍ، سيُزيلُه بفضل ثقتِه فيمن يُحب». ومثلما تناقشُ رواية «حجاب السَّاحر» التي تقع في ٣٦٠ صفحة طبيعة العلاقات الأسرية في المجتمع الحديث، فإنها تتناول أيضًا عالم السِّحر والسَّحرة، كما لو أنَّ كاتب الرواية واحدٌ من شيوخ السِّحر المُتمرسين العارفين بأرواح البشر. وعلى حد وصف الشَّاعر والكاتب مصطفى عبادة: سوف تظلُّ شخصية «شمس حمدى»، بطلة رواية «حجاب الساحر» لأحمد الشهاوى طويلًا في ذاكرة الرواية العربية، فهى نموذجٌ لمواجهة التناقضات السيئة للطبيعة البشرية، ذات روح غنائية تستحضرُ الأحلام، وخيبات الأمل، وما يعنيه أن تكون نقيًّا خلاقًا. شمس حمدى تخوضُ مع الراوى حربًا عميقةً ضد الجهل والخُرافة وإشاعة رُوح الخراب، حربًا ضد عدم اليقين، ومحاولة العيش في ظل محاولات الآخرين السيطرة عليها، والأضرار الجانبية التي تسرَّبت إلى رُوحها، والسِّحر الحقيقى في لحظات الانتصار. «حجاب الساحر».. الرواية الأولى لأحمد الشهاوى، ماهرةٌ وبانوراميةٌ، ومكتوبةٌ بدقة من طبقاتٍ عديدةٍ، ومن العديد من الحقائق الاجتماعية المسكُوت عنها، وتكشفُ من ناحيةٍ أخرى آليات تخريب حياة الآخرين، وتفضحُ العديد من الأرواح والظروف التي تجعل من بعض البشر قتلة من دُون سببٍ، وغارقين في الأذى من دون سببٍ أيضًا. ما يلفت النظر في «حجاب الساحر» مع ذلك، هو هشاشة الشَّر برغم ما يبدو عليه من رسوخٍ وصلابةٍ في وجه أية مقاومة متى كانت صادقة. يبدو كما لو أنَّ أحمد الشَّهاوى أراد بهذه الرواية أن يتجاوز نفسه بإدخالها في أُتُونُ معركةٍ جديدةٍ، هذه المرة، على صعيد الرواية، وأن يجرِّبها في حقلٍ صعبٍ آخر، وباختيارِ أشد طرق السَّرد صعوبة، بعدم الارتكان إلى نقطةٍ مركزيةٍ للانطلاق في الحكاية بل ظل سرده يُراوحُ بين تقنياتٍ مُتعددةٍ بالعودة إلى الماضى، والذهاب إلى المستقبل، بفن الرسالة ورُوح أدب الرحلة الرُّوحية والمكانية، والذهاب بعيدًا في استكناه المشاعر، والبحث وراءها، من أين أتت، وما بواعثُ هيجانها في موقفٍ معيَّن، أو وقتٍ ما، غير مُتخلٍّ عن المعرفى المؤسِّس للروحى، أو الخالق له. «حجاب الساحر» رواية الشفقة والأرق والتضامن الإنسانى، والحفر لاكتشاف الذات، الإحساس بالمهانة، في الصراع مع الآخر، حياة كاملة من السعى إلى المعرفة والحُب والارتواء الجسدى غير المكتمل، الذي يغذِّى الصراع الدائم بين الاحتياج والزُّهد، وما يخلقه ذلك من آلام. ويقول الشاعر والروائى المغربى الدكتور حسن نجمى إنَّ أحمد الشَّهاوى شاعرٌ عربى من مصر، شَيَّدَ لِنَفْسِهِ وضعًا اعتباريًّا لافتًا للانتباه. سافَرَ طويلًا في جهاتِ العالم، وفى جهاتِ الكِتابة والبحث كى يكتبَ أَفْضَلَ وأَجْملَ، وكى يمتلكَ صَوْتَه الخاص. ونَجَح في أن يعثرَ في العشق على مَادَّتهِ الشّعْرية الأولى، وجعَلَ من رُوحه الصُّوفية مرجِعًا في كتابته، وفى حياته.. وأفقه. وهَا أحمد الشهاوى يقتحمُ مجهُولًا جديدًا في مُغامرة الكتابة، يُجَرِّبُ تَرْسَانَةَ العِشق التي أَثْرَاهَا طويلًا بِمدَّخراتٍ وافرةٍ، ويخرُجُ إِلينا بنَصٍّ روائى- هذه المرة- فيه الكثيرُ من رُوح البحث، والكثيرُ من خزائنِ السَّفَر، والكثيرُ من المحكيات والتفاصيل والشَّذرات الشِّعرية، والكثيرُ من الجرأة والكثيرُ من الشَّفافية، والكثيرُ من الحَفْر، والكثيرُ من الاستعادة، والكثيرُ من التَّوَاضعُ أَمام بَذَخِ العَالَم وسِحْر اللغة الذي يتَدَاخلُ مع سِحْرِ الآخرين.. وسِحْرِ الواقع الذي يُنْتجُ الأَلَم والفقدان. «حَجابُ السَّاحر» هو هُنَا حِجَابُ الشَّاعر الذي يَرْأَفُ بهشاشةِ الكائن، ويكشفُ بَدَلَ أَنْ يحجبَ، ويمضى إِلى أَقْصَى درجات المُغامرة بحثًا عن خلاصٍ شِبْهِ مُستحيلٍ لجَسَدِ المَحْبُوب، في رحلة عشقٍ مُسْرِفٍ غامضٍ عَبْرَ الزَّمن، وعَبْرَ المكان. في هذا النَّصِّ السَّرْدى البِلَّورى، يضَعْ الشَّاعِرُ السَّاردُ أوراقَهُ فوقَ الطَّاولة كاشفًا أَسرارَهُ الظليلة، عن شذراتٍ من حياتِهِ، من ذاكرته، من قراءاته، من مسموعاته، من رحلاته، من صدَاقاتِهِ. يكادُ القارئ الخَبيرُ يرسُمُ للكاتب «بروفايل» من خلال مَجْرى الأحداث وتعالُقِ الشخصيات وعُرْى الأمكنة الشخصية، البعيدة والقريبة. كأنَّ ضَوْءَ نهارٍ يَتَدلَّى، في هذا العمل الروائى الذي أحببتُه على جدار الليل. ويقول الشاعر أحمد الشهاوي، عن روايته الأولي «لم أكتُب الرواية مُضطَّرًا، أو بحثًا عن ذيُوع صيتٍ إضافيٍّ، أو لأنَّ الشِّعر ضيِّق عليَّ، أو ذهابًا ضِمن تيارٍ من الشُّعراء اتجه إلى السَّرد، فمنذ بدء التسعينيات أصدِرُ كتبًا نثرية بالتوازي مع شِعري، كما أنَّني بطبيعتي منذ الطفولة مُولعٌ بالسَّرد، ومن اقترب مني يدركُ كم أنا أحبُّ الحكي، أو السَّرد الذي يتخلَّصُ من الحشو والثرثرة، فأنا بطبيعتي لا أحبُّ الاستطرادَ أو الشَّرحَ أو الوصفَ، وأظنُّني شخصٌ «فاشل» في الكتابة التي من عيِّنة «وكانت السَّماء ملبَّدة بالغيوم» والأمثلة كثيرة، والكتابة من هذا النوع لا تثيرُ فيَّ شيئًا. أوضح الشهاوي «لقد أتاحت لي كتابة الرواية أسفارًا ولقاءات وجمع معلومات ، وقراءات كثيرة ومُتنوعة، مع أنني في الأصل أعملُ بأجرٍ عند الكِتَاب، وأصف نفسي بأنني شاعرٌ هاوٍ، وقارئٌ محترفٌ، وروايتي هي رواية معرفة بالأساس، فيها الكثير من العشق، والفلسفة وعلم النفس وعلوم الإنسان والجغرافيا والتاريخ والرحلة والديانات القديمة والحضارة المصرية، بمعنى قصدتُ الإمتاع والمؤانسة رُوحيًّا ونفسيًّا، حاولتُ أن أنقل مُتعتي وأنا أكتبُ إلى القارئ الذي يذهبُ بالأساس إلى الكتاب قاصدًا المُتعة العقلية. وعن استعداده لكتابة الرواية يقول الشهاوي «كانت أمامي وفي ذهني خريطةٌ مُعدَّة سلفًا تتغيرُ وتتطوَّرُ وأنا أكتبُ ، وكنتُ أثناء الكتابة أضيفُ فصلا أو أحذفُ آخر، وأنا بطبيعتي حذَّافٌ عظيم ، لا أخشى الحذفَ، وأعملُ على تحرير النص كثيرًا. لا أحبُّ العشوائية في الكتابة، أو في أي مجال آخر. وعمومًا أنا لا أكتبُ عن شئٍ أجهله. وتابع الشهاوي «فأنا لا أكتبُ بحثًا عن مالٍ؛ لأنَّ المالَ أكسبُه من مهنة الصحافة التي درستُها في الجامعة، ولا أعرفُ مهنةً أخرى لي سواها، ولا أسعى إلى أن أقوِّضَ شيئًا، أو أغير مسارَ الشِّعر أو الرواية، أنا أكتبُ لأسعد نفسي أولًا، وأحقِّق ذاتي، كما أنني أحصلُ على مكسبي بشكلٍ يوميٍّ متمثلا في: مُتعة الرُّوح الناتجة عن ساعات الكتابة، لأنَّني عندما أدخلُ مشرُوعًا كتابيًّا ما أواصلُ الكتابةَ بشكلٍ يوميٍّ، مدفُوعًا بأرَقِي وهواجسي وشطحاتي.



٨ مشاهدات٠ تعليق