د. صديقة لاشين تكتب: إسماعيل يس و»صندوق الحيل» بين السنيما والمسرح

نبعت قدرات اسماعيل ياسين من كونه يتمتع بمهارات مختلفة تؤهله للأداء الكوميدي، وتجعله علامة فارقة فى التاريخ الكوميدى السينمائي. فبداية من شكله الخارجى الذى استخدمه ووظفه فى أدائه، ساخرا من اتساع فمه تارة ومن قبحه فى كثير من الأحيان، ومرورًا بلزماته الحركية المتكررة مثل ( حركة فمه ويديه اللذان يعبران عن تورطه أو دهشته من موقف ما) ، حتى إصداره لبعض الأصوات المتكررة (مثل الشهقة التى اشتهر بها فى أفلامه).




فلم تتوقف مهارات اسماعيل ياسين الكوميدية عند هذا الحد، وإنما اشتهر كذلك بقفشاته المضحكة، وكلماته المتكررة مثل كلمة ( يا خووويا..) و( بُتيتا..)، وأيضا قدرته – غير العادية- على إلقاء النكات. وتجسيد دور المرأة ببراعة. هذا بالإضافة إلى قدرته على إلقاء المنولوجات، والغناء وتوظيفهما فى العمل السينمائى ( وقد أخبرتنى صديقة لى -متخصصة فى الموسيقي- أن إسماعيل ياسين يملك المقومات الصوتية للمطرب). والمهارات الكوميدية التى يتمتع بها اسماعيل ياسين تحيلنا إلى ما يعرف بمسرح الكوميديا المرتجلة أو الكوميديا دى لارتى COMEDIA DEL›ARTE ؛ هذا المسرح الذى ظهر واشتهر فى إيطاليا فى بدايات عصر النهضة، كانت الحيل التى يستخمها الممثلون فى هذا المسرح يطلق عليها اللاتزى LAZZI”» أو صندوق الحيل وهى مجموعة من اللزمات الصوتية والحركية التى كان لابد وأن يحفظها الممثل ويتدرب عليها طوال حياته. هذا ما يجعلنا نصنف الأداء التمثيلى عنده وفق الأداء التمثيلى النمطى أو الشخصية النمطية؛ (والشخصية النمطية ليست عيبا أو مشكلة فى هذا النوع من الأداء التمثيلى) فعلى غرار ممثلى الكوميديا ديلارتى مثل بنتالون، وكولومبيان، وهارليكان، امتلك إسماعيل ياسين مجموعة من المهارات الصوتية والحركية التى لم تتغير من دور لآخر. وقد ساهمت كاميرات السنيما، وفن المونتاج، فضلا عن دور المخرج فى إبراز هذه المهارات الأدائية عنده، والتركيز عليها. ففى السينما لا يتحمل الممثل- بمفرده- مسؤولية الصورة النهائية، وإنما تشترك فيها العناصر السابقة جميعها. أما بالنسبة لمسرح اسماعيل ياسين الذى أنشأه عام (١٩٥٤)، فلم يكن نوعا مسرحيا بالمفهوم التقنى للمسرح الجاد؛ فقد كان تجاريا؛ حيث هدف إلى تحقيق عنصرين أولهما: التسلية، والثاني: الربح ( الذى فشل فى تحقيقه حتى وفاته). وتمثلت مقومات مسرحه فى الاعتماد على نصوص كوميدية قام بتأليفها أبو السعود الإبياري، وكذلك قيام العديد من المخرجين البارزين مثل السيد بدير، وعبد المنعم مدبولي، نور الدمرداش بالإخراج فيه.


وفيما يتعلق بالأداء التمثيلى فى مسرحه – فى رأيى – أن اسماعيل ياسين لم يتمتع بالتميز أو التفرد فى الأداء الكوميدى الذى حظى به فى السينما. فمن خلال العمل المسرحى ( كل الرجالة كدة)- المسرحية الوحيدة التى بقيت من أعمال لا تقل عن ستين عملا لإسماعيل ياسين- قد رأيت أنه بالرغم من استخدامه لمهاراته الكوميدية نفسها التى استخدمها فى السينما (اللزمات الصوتية والحركية) لتجسيد شخصية (عباس الأفلاطوني) البقال؛ لم تتميز بالتأثير الكوميدى لشخصية (سُمعة) فى أفلامه. وإنما نبعت الكوميديا فى هذه المسرحية من خلال كوميديا الموقف التى تقدمها الأنماط الشخصية الكوميدية المتعارضة مثل: «عباس الأفلاطوني» البقال (اسماعيل ياسين) ، وابن عمه « عباس الفلاطوني» المحامى الشهير (محمود المليجي) ، الزوجة المتطلعة إلى المظاهر (تحية كاريوكا)، والخطيبة المتواضعة ( خطيبة محمود المليجي)، ووالد الزوجة المتطلع، والأب التركى والأم التركية(اللذان يعيشان على أمجاد الماضي)، هذا بالإضافة إلى شخصية الخادمة الفضولية التى تسرق سيدها ( جمالات زايد)، وشخصية (شديد بيه عبد القوي) المريض، وشخصية الصعيدى الذى يعانى من عاهة مرضية...إلخ من الشخصيات النمطية. فكل هذه الشخصيات تقدم الحدث المسرحى البسيط من خلال تصرفاتها مما يبرز عيوب كل منها. وساهم الإخراج فى تحقيق حالة من الملل، بداية من الديكور الثابت، وحتى الممثلين، فلم يتحرك الممثلون لملء الفراغ المسرحى واكتفوا فى مشاهد كاملة بالجلوس على الأرائك. أو الإصطفاف كصف واحد وإلقاء جملهم الحوارية وكأنهم يؤدون فى مشهد سينمائى وليس فى مشهد مسرحي، كذلك لم تستخدم تقنيات أخرى كالإضاءة وغيرها من تقنيات العرض التى توظف لخدمة الممثل على خشبة المسرح. مما ساهم ذلك فى خلق إيقاع رتيب للعرض المسرحى أثر بدوره فى أداء الممثلين، وعلى راسهم إسماعيل ياسين. لقد تمكن اسماعيل ياسين فى إبداع الشخصية النمطية فى السنيما، ولكنه لم يتمكن من هذا التألق فى المسرح، فمن المتعارف عليه أن الشخصية المسرحية لا تكتمل إلا حينما تتجسد فعليا على خشبة المسرح، وهذا التجسيد لا يتحقق إلا بأداء الممثل الذى بدوره يضفى عليها من صفات متفردة، فيعطيها أبعادا خاصة. فلم يهتم اسماعيل ياسين ببناء شخصية عباس الأفلاطوني، وإنما اهتم بإلقاء النكات والقفشات، واستخدام لزماته الحركية، والصوتية، والغناء، فضلا عن تقليده بسخرية لبعض حركات الشخصيات الأخري. تلك المهارات التى تتناسب وشخصية ( سُمعة) ولكنها لا تعبر بأى حال من الأحوال عن شخصية عباس الأفلاطوني. ومن ثم لم يتحقق له التأثير الكوميدى السنيمائي. وفى حقيقة الأمر،لا أعرف إذا كانت مسرحيات إسماعيل ياسين – التى أتلفها الإهمال- ينطبق عليها ما سبق أم لا..إلا أن ما أعرفه جيدا أن هذا الفنان -بما قدمه- سيظل حاضرا فى وجداننا، وأن إعجاب الأجيال المختلفة بأدائه يعكس مدى تأثيره وأهميته ، وأنه بالفعل ظاهرة كوميدية سينمائية لن تتكرر.

24 عرض0 تعليق