ذاكرة السينما.. حكاية فيلم "وحدي في المنزل"


كتب - محمود الصيفى


إنَّه الفيلم الأكثر نجاحًا ومتعه للكبار والصغار في السنوات الأخيرة، هل تخيلت أن تكون وحدك في المنزل أثناء إجازة العيد والمنازل شبه خالية من حولك؟ حدث هذا مع صديقنا «كيفن»، لكن كيف تصرف هذا الصغير مع اللصوص؟. «كيفن» هو الممثل الصغير «ماكولي كولكن» الذي مثل دور الطفل الصغير، وقد جعله هذا الفيلم من أشهر نجوم السينما العالميين. الفيلم إنتاج ١٩٩٠، أخرجه «كريس كولومبوس» وكتب له السيناريو المخرج المعروف «جون هيلر هيوز» وشاركه البطولة «جون بيشي» في دور «هاري» و»دانيل سترن» في دور «مارك» وحقق إيرادات تفوق المائة مليون دولار. مسكين «كيفن» تركه الجميع وحده في البيت وسافروا إلى باريس، وبدأت تلك الأحداث المثيرة ذات ليلة باردة قبل حلول العيد بأربعة أيام في منزل السيد «ماك كالستر»؛ إنه رجل سعيد، ويعيش مع أسرته الكبيرة في هذا المنزل الجميل، في تلك الليلة بدا جميع الصغار سعداء حين جاء العم مع أولاده السبعة، وكان على الأسرتين أن تستعدا للسفر إلى باريس لقضاء الإجازة، فأسرة «كالستر» أيضًا كبيرة، وتحول البيت الكبير إلى سوق يعلو فيه الصراخ والنداءات، فلا أحد يسمع أحدًا، والطلبات لا تتوقف في هذا الجو الصاخب، ويقع شجار بين «كيفن» وأخيه «بيتر» الذي يتسبب في إثارته دائمًا، وأصبحت المائدة ساحة معركة غريبة بين الصبيان والبنات، هنا جاءت الأم «كات» على صوت الصخب، وصاحت على «كيفن»: «سوف أعاقبك بالصعود إلى الغرفة العلوية حتى الصباح»، نظر الصغير إلى أمه، ولم يستطع أن يعترض، وصعد إلى الغرفة العلوية وهو يتمتم: «ليتهم يختفون جميعًا». في صباح اليوم التالي انقلب البيت رأسًا على عقب، فما إن استيقظت الأم «كات» حتى هتفت: «يا إلهي! الطائرة تكاد تقلع»، لقد تأخر الجميع في الاستيقاظ بعد أن سهروا طويلًا؛ لذا فسرعان ما راح كل منهم يجهز حقيبة سفره، وساد الهرج كل أنحاء البيت، واستقلوا العربة التي أسرعت نحو المطار، وبعد دقائق قليلة كانوا يجرون في ممر الطائرة وهم لا يصدقون أنهم لحقوا بها في اللحظة الأخيرة، وارتفعت الطائرة بعد قليل إلى السماء، واستطاعت الأم أن تأخذ بعضًا من الراحة بعد هذا الجهد الكبير لولا أنها تذكرت حدثًا مهمًّا فصرخت: «كيفن»، يا له من أمر! إنها لم تتذكر ابنها الذي نسيه الجميع، وسرعان ما ارتسم القلق على وجوه الجميع، فلا شك أن «كيفن» وحده الآن في المنزل، ولعله سيواجه المتاعب، تُرى ماذا سيحدث لابنها الوحيد في المنزل؟ وأي مغامرات سيقابلها؟. عندما استيقظ «كيفن» من النوم العميق راح بكل براءة يبحث عن أمه وإخوته في المنزل، وعندما أدرك أنه وحده أطلق صيحة فرح: «أنا الآن سيد البيت، سأفعل ما يحلو لي، لقد اختفوا جميعًا»، وسرعان ما قفز بين الحجرات وهو يطلق صرخته المعهودة كأنه انتصر في معركة حربية كبيرة، فعل «كيفن» كل ما يحلو له في المنزل، فهو يوم العيد، وعليه أن يكون سعيدًا، فتح الثلاجة وأكل أكبر كمية من المثلجات، واتجه إلى الحديقة، وقفز بين الورد، ولاحظ ذلك الرجل العملاق الذي ينظر إليه بعينين مليئتين بالغموض، هنا أحس «كيفن» وربما لأول مرة بأن الوحدة ليست في كل المجالات شيئًا جميلًا، وراح يقول لنفسه: «لقد سمعت كثيرًا عن هذا العملاق، سمعت أنه أكل طفلًا»، شعر بالخوف، وانطلق مسرعًا عائدًا للمنزل، وقرر أن يغلق على نفسه الباب حتى لا يأكله ـ كما يتصور ـ هذا العملاق. في تلك اللحظات كانت أسرة «ماك كالستر» في منتهى الحيرة بعد الهبوط في مطار باريس، لقد قرروا العودة مرة أخرى إلى بلادهم من أجل «كيفن» لكن سرعان ما ظهرت المشكلة، فبسبب مواسم الأعياد فإن كل الطائرات الذاهبة والقادمة كاملة العدد، أحست الأم «كات» أن ابنها «كيفن» يعاني فعلًا من بعض المتاعب، لكن تُرى أي نوع من المتاعب؟ كانت تحاول أن تتصل بالهاتف، لكن الخط كان مقطوعًا. لم يكن ذلك العملاق الذي تصور «كيفن» أنه مفترس هو وحده الذي يحوم حول البيت؛ بل كان هناك رجلان آخران يفعلان نفس الشيء؛ إنهما اللصان الخائبان «هاري» و«مارك» يبدو أنهما يمارسان السرقة لأول مرة، وقد اختارا هذه الفترة من السنة لأن المنازل خالية من سكانها الذين رحلوا لقضاء إجازة العيد في أماكن أخرى. قال «هاري» لزميله: ما رأيك أن ندخل هذا البيت؟ يبدو أنه صيد ثمين. رد «مارك»: يا له من عيد سعيد على اللصوص، واقترب الرجلان من المنزل الفخم الذي يقيم فيه «كيفن» لكن ما إن اقترب اللصان حتى تفاجآ بالأضواء في كل أنحاء البيت، وسرعان ما انطلقت موسيقى صاخبة عالية، وسمعا رجلًا يقول: «لقد قبضت على ٧٠ لصًّا عندما كنت ضابط شرطة» وسرعان ما تراجع اللصان، لقد خاب ظنهما في البيت، واعتقدا أنه مليء بالناس، ويسكنه ضابط شرطة سابق قبض على ٧٠ لصًّا، لم يعرف اللصان أن الصوت الذي سمعاه كان يصدر من جهاز فيديو. بدأ الصغير «كيفن» يستعد لهذه المواجهة، وأجرى كل الترتيبات من أجل تلك اللحظة التي قد يقترب فيها العملاق من البيت، كان الصغير «كيفن» يعشق ألعاب الكمبيوتر، ويجيد أشياء كثيرة خاصة بالكهرباء والألعاب النارية، فقرر استثمار ذلك من أجل هذه اللحظة، واستخدم شريط فيديو من أفلام الرعب لإثارة الخوف في قلب من تسول له نفسه أن يقترب من المنزل فيسمع صوت الضابط من على شريط فيديو، وسرعان ما يظهر خيال رجل في النافذة يتكلم إلى رجل آخر، وعرض لأصوات غاضبة من داخل المنزل، ولم يكن هذا الخيال إلا قصاصات من الورق المقوى على هيئه إنسان؛ لذا فزع اللصان، واختفيا من المنطقة بأكملها، أما «كيفن» فقد قرر أن يخرج في صباح اليوم التالي إلى منطقة السوق لشراء بعض الأشياء الخاصة بالعيد، تصور «كيفن» أن العملاق يترقبه وهو في طريقه إلى السوق، ورغم ذلك بدا متماسكًا، وقرر أن يقاوم كل الخوف، وفكر أن يجهز نفسه من أجل مواجهة العملاق، لم يكن يعرف أنه كان هناك رجلان آخران يراقبانه أيضًا، وفي السوق اشترى «كيفن» العديد من الأشياء الغريبة التي أثارت دهشة البائع، فقد ملأ حقيبته الصغيرة بالشمع، والألوان، وأشياء أخرى عديدة استعد بها لمواجهة أي شخص يفكر في الاقتراب من البيت، وفي طريق العودة قابل العملاق العجوز؛ ذلك الرجل المخيف، ولأول مرة يحس «كيفن» بالخوف فأسرع في الشارع، وجرى في الحواري حتى يهرب منه، ولكنه اصطدم به، كاد قلب المسكين يسقط عندما رآه أمامه؛ إنه العملاق، تخيل أنه سوف يأكله، ويلتهم قطعة وراء أخرى، مد الرجل يده إلى كتف «كيفن» وأمسكه، كاد الصغير يطلق صرخة عالية، ولكنه أحس أن لمسة اليد حانية، وسمع العملاق يقول: «أهلًا بك، أنت لا تعرفني، أنا جد زميلك سام، لقد أرسل لي هدية ورسالة ذكرك فيها بالخير»، أحس «كيفن» بالراحة، فهو قد فهم الأمور خطأ، وليس هذا العملاق سوى الجد الطيب لصديقه سام الذي حدثه عنه وعن مدى إعجابه به، ولأول مرة أحس «كيفن» أنه اشتاق إلى أسرته، وراح يردد: «أتمنى أن يعودوا للظهور مرة أخرى»، وعندما عاد «كيفن» إلى البيت لم يكن يتصور أن الأشياء التي اشتراها من السوق سوف تفيده في مغامرته الكبرى في تلك الليلة، فسرعان ما فهم اللصان الخدعة التي دبرها «كيفن» عندما أوهمهما بأن منزله مليء بالناس؛ لذا استعد الرجلان للدخول إلى تلك القلعة الحصينة التي جهزها «كيفن» لكل الاحتمالات المنتظرة، وفي الساعات الأولى من الليل بدأت المغامرة، وفي نفس الساعات كانت الأم «كات» قد نجحت في الحصول على مقعد واحد في طائرة عائدة متجهة إلى بلادها، لكنها لم تنزل في شيكاغو؛ لذا اضطرت أن تركب سيارة مع إحدى الفرق الموسيقية، واتجهت بهم السيارة إلى شيكاغو، وبينما السيارة في طريقها إلى شيكاغو بدأت الغزوة الكبرى لمنزل الأسرة؛ فما إن بدأ اللص «هاري» في دفع باب المنزل حتى فوجئ بشيء يدفعه بقوة ويسقطه على مسافة أمتار، لم يصدق «هاري» نفسه، واستبد به الغضب، وصاح قائلًا لزميله: «إنه ذلك الطفل الشقي «كيفن» قد نجح في أن يدفع بكرة ضخمة مربوطة في حبل على الباب»، وما إن انفتح نصف الباب حتى اندفعت الكرة في وجهه وأسقطته أرضًا، حاول اللص بدوره أن يخرج من فتحة الباب الضيقة، ولكنه فوجئ بالطفل الصغير وقد تمدد أمامه، وصوب نحوه ببندقيته التي انطلق منها سائل ملون تسبب في غضبه، وأخذ يطلق صرخات عالية: «سوف أعلمك الأدب أيها الشقي»، وبينما أطلق «كيفن» صرخة الفرح كان اللصان استعدا لجولة جديدة من أجل اقتحام المنزل، والانتقام من هذا الصغير الذي سخر منهما كثيرًا، فراحا يبحثان عن مكان آخر للدخول منه، وتسلل «هاري» إلى الغرفة السفلية، ولكن قبل أن يقف فوق الأرض انزلقت قدماه من أثر الشمع الذي وضعه «كيفن» فوق الأرض، وسرعان ما تزحلق فوق البلاط الأملس، يا له من موقف صعب وجد «هاري» نفسه فيه، فما كاد ينتهي ذلك حتى وجد نفسه يسقط من ثقب لوح مليء بالأصباغ، وأطلق «هاري» صرخة عالية وهو يجري في الحديقة، ونجح في أن يتسلل إلى الدور العلوي، وتمكن من فتح النافذة، ودخل للمنزل، وفتح الباب، وفجأة سقط على رأسه شيء ثقيل جعله يفقد توازنه فانزلق فوق السلم وتدحرج على درجاته، وبدأت المطاردة داخل المنزل، ويبدو أن صديقنا «كيفن» كان قد جهز نفسه لكل شيء، فما إن قام «مارك» من فوق الأرض وجرى نحو «كيفن» حتى انطلقت في الصالة الكبرى إشارات ضوئية راح بعضها يصطدم بوجهه، وأخذ يصرخ طالبًا النجدة : «الحقوني بالنجدة». في تلك اللحظات وصلت الأسرة إلى المنزل، ولقد وصلت السيارة التي استقلتها الأم من نيويورك، وعبرت بها مسافة طويلة حتى شيكاغو، أما الأب فقد نجح في آخر لحظة في أن يجد عدة أماكن في طائرة اتجهت مباشرة من باريس إلى مدينته، وعندما فتحت الأم الباب لم تصدق عينيها، فهذا يمكن أن يكون أي شيء آخر عدا أن يكون بيتها، فرأت اللصين المقيدين وهما يبكيان، أما «كيفن» فقد كان يتصل بالشرطة كي ترسل من يقبض على الرجلين، ودخل الأب والأشقاء، وكان اللقاء حارًّا مليئًا بالمشاعر، ولم يصدق الجميع أن «كيفن» الصغير قد استطاع أن يفعل كل هذا وحده، وسأل أحدهم: «هل الوحدة شيء جميل؟» رد «كيفن»: «هذا يتوقف على الطريقة التي تتصرف بها وأنت وحدكَ في المنزل».


٤ مشاهدات٠ تعليق