ذاكرة السينما.. حكاية فيلم "الحاسة السادسة"






محمود الصيفى


إنَّه طفل غريب الأطوار.. هكذا كان يطلق تلاميذ المدرسة على زميلهم «كول». فقد كان يحبُّ العزلة، والبقاء وحيدًا بعيدًا عن بقية الزملاء، ولم يحدث أن حضر «كول» إحدى الحفلات الكثيرة التي تُقام في المدرسة، أو أعياد ميلاد الأصدقاء. كان «كول» دائمًا وحيدًا.. يجلس أكثر وقته في منزله، وحده مع أمه التي تحبه كثيرًا، والتي قالت له ذات يوم: إني وهبت لك حياتي بعد أبيك. قال البعض إن هذه الحالة من الانطواء على النفس سببها أنه وحيد، أو أنه بدون أب، لكن الأم كانت بالنسبة له كل شيء في حياته.. الأب، والأم، والأسرة كلها.


ومع هذا لم يحدث أن ابتسم «كول» قط، ولم يره أحد يفرج شفتيه عن ابتسامة.. وأمام تطور حالته، قررت الأم أن تفعل شيئًا. وأسرعت باللجوء إلى الطبيب النفسي الشهير «كرو» الذي نال أكبر الشهادات العلمية، والمعروف برعايته الدائمة للمرضى. وسرعان ما دخل «كرو» في حياة الطفل. كان طبيبًا غريبًا، يكاد لا تكون له عيادة، يذهب إليها المرضى؛ بل هو الذي يذهب إليهم، ويعيش معهم حياتهم؛ ولذا اندهش الطفل حين رأى الدكتور «كرو» يرقب حركاته، ويتتبعه حين يذهب ليصلي. وجاء اللقاء الأول بين الاثنين هادئًا.. قال الصغير بكل ثقة: معذرة.. لن تستطيع مساعدتي. ولم يندهش الطبيب، فكم التقى نماذج إنسانية مشابهة، وهو يعرف تمامًا أن المرضى النفسيين لا تظهر عليهم الأمراض بسهولة. وفي اليوم التالي، ذهب «كول» إلى المدرسة، وظل صامتًا كعادته، لكنه لم ينطق إلا عندما سأل المدرس سؤالًا عجز الجميع عن إجابته: ماذا كانت عاصمة الولايات المتحدة قبل واشنطن؟. ورفع «كول» عينيه قائلًا: إنها المدينة التي تعيش فيها «فيلادلفيا». وأحس المدرس بالسرور، فهذا تلميذ لديه معلومات طيبة، لكن الصغير راح يتحدث عن أشياء كثيرة لا يعرفها أحد من الحاضرين. واندهش المدرس، فالتلميذ حكى أمام زملائه عن طفولة الأستاذ في نفس الفصل، وكيف كان ينطق الإجابات بصعوبة، وأحس المدرس أنه أمام شخص غير عادي، لكن أحد التلاميذ ردد: إنه «كول».. غريب الأطوار. لم يفهم أحد ماذا حدث بالضبط.. لكن تُرى ماذا هناك؟ هل هو حقًّا غريب الأطوار؟ وماذا هناك في حياته..؟. قرر «كول» أن يثبت لزملائه، أنه مثلهم جميعًا، وليس غريبًا بالمرة؛ لذا قبل حضور عيد ميلاد أحد زملائه. وفي الحفل، لم يجد أحدًا يتحدث إليه.. وبقي وحيدًا منزويًا في ركن، لكنه رفع رأسه إلى أعلى السقف، ورأى بالونة معلقة هناك، وأحس بالرغبة في أن يمسكها، وبالفعل، فقد صعد السلم الخشبي، إلى الدور الثاني، وهناك خُيل إليه أنه يسمع أصواتًا وراء باب السندرة لشخص كأنه يستنجد به.. أخرجوني.. أخرجوني.. ووقف «كول» أمام الباب.. في حيرة، ودَّ أن يمد يده إلى البالونة ليمسك بها، هنا لحق به زميلان له، وقال أحدهما: ما رأيك أن نمثل معًا مسرحية.. «صديقي في الزنزانة»؟. وأمام رغبته في اللعب معهما، وافق أن يلعب دور السجين الذي يدخل الزنزانة، وبالفعل دفع به زملاؤه خلف الباب، وأغلقوا الباب عليه. وصرخ «كول» وصعدت أمه، وحاولت إخراجه.. ووسط صرخات الصغير، تمكنت الأم من إخراجه بصعوبة شديدة. وكان الحادث بمثابة صدمة كبيرة على الصغير. لقد حاول أن ينفتح على أصدقائه، لكنهم قابلوا رغبته تلك، بمضايقته.. وفي اليوم التالي جاء الطبيب النفسي «كرو» لزيارته. وتمدد الصغير فوق الفراش ونطق لأول مرة وسأله: هل تريد أن تعرف سري؟. وبكل هدوء هزَّ الطبيب رأسه، فقال «كول» كأنه يرمي بقنبلة هادئة: إنني أرى الخيالات من حولي.. كأنها كائنات حقيقية لا يعرفون أنهم خيالات يتحركون في كل مكان. لم يشأ الطبيب أن يصدمه، أو أن يوهمه بأن هذا نوع من المرض، لكنه اكتفى بأن قال: أعدك أن أحفظ سرك. كان التشخيص الأول عن «كول» أنه يعاني من انفصام، وتخيلات، وأحس الطبيب أنه أمام حالة مستحيلة، وقرر أن يتخلى عن معالجته. وأمام هذا الموقف قال الصغير: أنا بحاجة إليك.. فلا تتركني.. ولأول مرة في حياته، تذكر الطبيب نفسه بعض أحداث الماضي، وأنه عانى في بعض الأحيان من المرضى الذين يأتون إليه، لدرجة أن أحدهم أطلق عليه النيران ذات يوم. لم يكن الطبيب يعرف أن ما قاله الطفل له، به شيء من الحقيقة، وأن للطفل حاسة سادسة، لا يهبها الله إلا للقليل من البشر؛ لذا فهي حاسة نادرة، باعتبار أن بقية الحواس تؤدي مهامها لدى أغلب البشر مثل: السمع، والبصر، واللمس، والشم، والتذوق. لكن «كول» كان يرى الخيالات تعبر بسرعة من حوله، خصوصًا في المنزل، في البداية شعر بالخوف، لكنه أحس أنها غير مؤذية، فهي مجرد خيالات لا أكثر.. وهو صاحب شفافية في رؤيتهم يعبرون من حوله. ولأن الطبيب قرر عدم التخلي عن الصغير لذا سأله: هذه الخيالات.. ماذا تريد منك بالضبط؟. رد بكل بساطة: إنهم يطلبون المساعدة. وكان السؤال: أي نوع من المساعدة؟. وجاءت الإجابة غريبة، فبالأمس رأى خيالًا زاره في البيت، وسمع الخيال كأنه يقول: وضعوا السم للصغيرة «هني» كي تموت. وكان على «كول» أن يفعل أي شيء من أجل المساعدة في كشف حقيقة وفاة الطفلة «هني» وعلى وجه السرعة راح الطبيب يتصفح الجرائد، وعرف أن هناك طفلة قد ماتت بالأمس تدعى «كيرا» وهي ابنة لأحد كبار رجال الأعمال، وأنها سوف تواري مثواها الأخير بعد ساعة. وأسرع الاثنان إلى المقابر.. حيث مراسم الجنازة. وتأكد الطبيب أن الطفلة «كيرا» قد انتقلت إلى العالم الآخر، بعد مرض طويل؛ لذا، فإن الاثنين ذهبا في المساء إلى منزل الأسرة للمشاركة في العزاء. ووسط أجواء غريبة، وجد «كول» نفسه يتسلل إلى غرفة الطفلة «كيرا» وعثر على صندوق قديم أسفل السرير، ثم نزل السلم، واتجه نحو والد الطفلة الحزين، ومد له بالصندوق. واندهش الأب مما يرى، وأمسك الصندوق، وفتحه، ورأى بداخله شريط فيديو، فأسرع إلى غرفة جانبية لمشاهدته. وكانت المفاجأة، فقد شاهد كيف قامت زوجة الأب بوضع سم بطيء المفعول في طعام وشراب الطفلة الصغيرة. وأسرع الأب بمواجهة الزوجة القاتلة، وجاءت الشرطة للقبض عليها. قال الطبيب: اعذرني، إنني تخيلت أنك غريب الأطوار. سأكون معك دائمًا. وبعد أسبوعين فقط، كانت أشياء كثيرة قد تغيرت. فقد أعلنت المدرسة عن إقامة الحفل السنوي، الذي ستعرض فيه مسرحية «الملك الطفل» عن حياة الملك البريطاني العادل «آرثر» في طفولته. وتقدَّم «كول» للفرقة المدرسية، وتمَّ اختياره ليمثل الشخصية الرئيسية في المسرحية، وشاهد الناس «كول» وهو يرتدي ملابس الشخصية، ثم وهو يخرج السيف من الصخرة التي ظل مرتشقًا بها سنوات طويلة. وصفق الناس بكل حماس للطفل الممثل «كول» وحمله زملاؤه على الأعناق، ولأول مرة في حياته يبتسم ابتسامة عريضة. وتسربت الفرحة الغامرة إلى قلبه. وكانت الأم هي أكثر الناس سعادة في كل الدنيا.. فها هو ابنها قد عاد إنسانًا طبيعيًّا مثل بقية زملائه؛ بل هو ممثل موهوب، حصل على شهادة التقدير الكبرى. وبعد الحفل، قال الطبيب لمريضه الصغير «كول»: لقد اتخذتك ولدًا لي في الفترة الأخيرة، الآن من واجبي أن أعود إلى زوجتي، لقد أخطأت في حقها. وأسرع الطبيب إلى منزله، ووجد «هاني» في انتظاره، كانت حزينة لأنها تصورته قد ابتعد عنها.. لكنه قال: هل تذكرين ذلك المريض الذي أطلق الرصاص يومًا عليَّ.. لقد تعلمت كيف أكون أكثر إخلاصًا مع المرضى. ثم سكت قبل أن يكمل: واليوم تعلمت أشياء جديدة من طفل.. إنَّ المرء يجب ألا يتوقف عن مساعدة الآخرين.. مهما كان الثمن.


هذا الفيلم

حقق فيلم «الحاسة السادسة» أعلى الإيرادات (المركز الرابع) في أفلام عام ٢٠٠٠م ليس فقط لأنه من بطولة «بروس ويلز» بل لأنه يناقش موضوعًا جديدًا على السينما العالمية، والفيلم من بطولة الطفل «دافيد أوزمون» الذي أدى دور «كول» أما المخرج «نايت شيامالان» فقد قِيل إنَّه سبيلبرج «الجديد».

٣ مشاهدات٠ تعليق