ذاكرة السينما.. حكاية فيلم "صوت الموسيقى"


إعداد - محمود الصيفي:

هذا الصَّوت الجميل الجذاب ينطلق في أحسن حالاته فوق قمم الجبال الخضراء. إنه صوت الموسيقى الذي تحبه «ماريا» فتأتي إلى هنا لكي تغني بكل صوتها القوي معبرة عن حبها للحياة وللطبيعة. هذا الأمر سبب لها الكثير من المتاعب في الدير الذي تقيم فيه؛ حيث إن الحياة تتطلب الالتزام بقواعد صارمة يجب عدم الخروج عنها، خاصة بالنسبة لـ «ماريا».


في هذا الصباح عادت الفتاة من رحلتها الجبلية لتجد الجميع ضدها، خاصة الرئيسة الكبيرة التي اتخذت قرارًا بعدم السماح للفتاه بالخروج إلى الجبال مرة أخرى. وعندما دخلت الرئيسة على الفتاة في غرفتها ووجدتها تبكي قالت لها: لا تتألمي يا ابنتي، لعل الأمر يخفي لكِ خيرًا كبيرًا. وتحدثت معها أن هذه هي الأيام الأخيرة لها في المكان؛ لأن الضابط «فون تراب» الذي يعيش مع أسرته طلب من الدير أن يوفر له مربيه لأبنائه السبعة؛ ما يعني أن أمام الفتاة حياة جديدة بعيدًا عن القوانين الصارمة التي تعيش فيها في هذا المكان. من ناحية أخرى، يعيش الكابتن في قصر بالغ الفخامة، يحاط بالحدائق والتلال المطلة على المدينة، ومن حوله نهر متدفق؛ إنه رجل وسيم، أرمل، تفرغ لحياته لتربية أبنائه السبعة بعد وفاة زوجته؛ حيث قرر ألا يتزوج، ولكنه استعان ـ بين وقت وآخر ـ بالمربيات اللاتي كن يتركن الدار في أسرع وقت؛ بسبب الحيل الجهنمية التي يفعلها الصغار ضد كل واحدة. أي أن على «ماريا» أن تعمل في وظيفة سوف تجلب لها الكثير من الحيل والمتاعب، وهي في غنى عن ذلك، ورغم هذا فقد حملت حقيبتها، واتجهت إلى محل عملها الجديد، وهي كعادتها تغني للطبيعة، والحياة. انبهرت بشده للفخامة التي عليها القصر من الداخل والخارج، وتصورت أنها ستقابل صراخ الأطفال وهم يملأون المكان بالصخب، لكن كانت المفاجأة كأن القصر لا يسكنه بشر، وهنا خرج الكابتن الوسيم ليستقبلها وراح يعطيها التعليمات الصارمة التي يعيش عليها الجميع في هذا المكان الثري. يا إلهي، لقد جاءت من صرامة إلى تعليمات قاسية، فسرعان ما نزل الأبناء لاستقبال المربية الجديدة، وراحوا يضحكون بصوت منخفض من شكل ملابسها، وقبعتها الغريبة، وبدأت تتعرف عليهم، الفتاه الكبيرة في السابعة عشرة، والصغيرة في الخامسة، وهناك أكثر من غلام بدأوا منذ اللحظة الأولى في مشاكستها، خاصة عندما جلست فوق المقعد لتناول العشاء، فشعرت بما يؤلمها.. إنه نبات شوكي وضعوه لها. ترى ماذا تفعل «ماريا»؟ إنه التحدي، تحملت ما يجري لها بصبر ملحوظ، وبدأت في الاعتناء بالصغار، ففي الليالي الباردة تنزل إليهم كي تغني معهم وتنام، واكتشفت أن هذا البيت؛ حيث الموسيقى ممنوعة، يضم سبعة أصوات بالغة الجمال تتنظر من يكتشفها. وكانت فرصة عظيمة أن يسافر الأب في رحلة لم يعلن هويتها، ولا ماذا سيفعل. هنا قامت المربية بتحويل قماش الستائر إلى ملابس تكفي الصغار، كي يخرجوا جميعًا إلى الجبال الخضراء، ويتعلموا فنون الموسيقى، وكيف يرددون حروف النغمات. دو ري مي فا صو لا سي. وكانت لحظات رائعة، تحول فيها الصغار إلى شخصيات مبهجة، تعلم فيها الأطفال أن الموسيقى تغسل القلوب الحزينة، وهكذا نجحت المربية في فترة قصيرة أن تكسب قلوب الأسرة. وغاب الأب طويلًا، إلا أنه لم يكن يتصور وهو عائد بسيارته من الرحلة أن الأطفال المعلقين في الأشجار فوقه هم أبناؤه الذين تربوا على القواعد الصارمة، ووصل الأب بسيارته ومعه خطيبته الممثلة المشهورة، ورجل يعمل في اكتشاف نجوم الفن الجدد. من الواضح أن الأب قد قرر أن يتزوج، فاختار هذه السيدة المعروفة بلقب البارونة بعد أن اطمأن أن الأبناء وجدوا مربيتهم المناسبة. لكن شكل الصغار كان مثيرًا للسخرية بشكل ملابسهم المبللة وهم يستقبلون خطيبة أبيهم. وسرعان ما صارت الأمور كما يجب، فاستعد أهل الدار للزفاف السعيد، لكن في تلك الفترة بدأ الأب يتغير كثيرًا وهو يشارك أبناءه في جلسات الغناء التي تعقدها «ماريا» وفي إحدى الأمسيات أحس الكابتن أن «ماريا» تصلح تمامًا لكي تكون أمًّا للأطفال؛ لأن البارونة لم تكن على وفاق مع سبعة صغار بالغي الشقاوة. تنامت العواطف ببطء بين «ماريا» والكابتن. إنها مشاعر صامتة جدًّا لم يلاحظها أحد سوى البارونة، التي كان عليها أن تدافع عن بيتها الجديد، فانفردت بـ «ماريا» وقالت لها: من الأفضل لكِ العودة إلى الدير.. نحن سوف نتزوج. وعادت إلى الدير، وحبست نفسها وحيدة في غرفتها الضيقة، أما القصر الواسع فقد عاد الصمت إلى الجدران، والحدائق، ولم تفلح البارونة في التقرب إلى الصغار الذين قرروا الاتفاق عليها، ودفعها لمغادرة المكان إلى الأبد. وفي صباح أحد الأيام، توجه الصغار نحو الدير، واستعادوا «ماريا» التي نجحت من جديد في بعث الضحكة والفرحة في القصر. وأيضًا صوت الموسيقى. وأقيم حفل زفاف كبير، وشعر الصغار أن أمهم الجديدة «ماريا» سوف تكون مصدرًا لسعادة أبيهم وسعادتهم أيضًا، وسافر الزوجان إلى خارج المدينة لقضاء شهر العسل. وقررت الابنة الكبرى أن تتولى الأسرة أثناء غياب العروسين. الغريب أن البارونة عندما سافرت كانت وحدها بدون مدرب النجوم الذي قرر البقاء في القصر، وتحويل هؤلاء الصغار إلى فرقه موسيقية غنائية تتمتع بشهرة، وتجلب له الكثير من المال. وعندما عاد العروسان إلى الدار كانت هناك فرقة موسيقية مستعدة لدخول عالم الشهرة. لكن كانت هناك متاعب. تدور الأحداث في أثناء الحرب العالمية الثانية، في دولة النمسا المجاورة لألمانيا، والتي يحتلها جيش النازية بقيادة «هتلر»، وعقب عودة الكابتن إلى الدار كان في زيارته أحد القادة العسكريين الذي قال له: يجب أن تعود إلى خدمة الجيش وتنضم إلينا. يا له من عرض صعب، فهذا يعني أن الضابط سيشترك في الحرب إلى جوار “هتلر» وهو يؤمن أن بلاده محتلة من النازية، ولم يكن واضحًا في إجابته للأمر الصادر إليه، وقال له الضابط المنتدب: ليس هناك اختيار أمامك. فهنا طلب الكابتن من الضابط أن يمهله حتى مساء اليوم التالي عقب مشاركة أسرته في الحفل الغنائي الذي سيقام في أوبرا المدينة. كل شيء جاهز، فالمدرب قام بتدريب الأبناء على الغناء. حفظ الأطفال الأغنيات التي تعلموها من «ماريا» زوجة أبيهم، وأمهم الجديدة. وجاء الحفل وغنت الفرقة بكل حماس، وحصلت على أكبر قدر من التصفيق، وفي الحفل كان ضابط النازية منتظرًا قيام الكابتن لتسليم نفسه للقوات والعودة للجيش. لكن لوحظ أن الفرقة الموسيقية قد تعمدت أن تغني طويلًا. وسرعان ما اكتشف السبب، فالمدرب أعد خطته البارعة لتهريب الفرقة الموسيقية بعد الانتهاء من مهمتها؛ لذا فإن الجماهير انتظرت خروج الفرقة إلى المسرح لتلقي التصفيق. وتكرر التصفيق أكثر من مرة. وفي الخارج انتقلت بهم السيارة وسط الظلام حتى وصلت إلى الدير، وهناك قامت رئيسة الدير بمساعدتهم في التخفي حتى لا يتم القبض على الكابتن. وفي صباح اليوم التالي، كانت الأسرة قد تمكنت من عبور الجبال، والحدود إلى البلادِ المجاورة.


هذا الفيلم


نحن نقدِّم اليوم واحدًا من أهم الأفلام الغنائية والاستعراضية في تاريخ السينما. تم إنتاجه عام ١٩٦٥، من إخراج «روبرت وايز» وتمثيل المغنية المشهورة «جولي أندروز» مع «كريستوفر بلامر» الذي حقق أعلى الإيرادات، وقد حصل على عشر جوائز «أوسكار». وهذا الفيلم تعرفه الأجيال جميعها، وتشاهده في كل الوسائل، ويتضمن مجموعة من الأغنيات الشهيرة مثل: «دو ري مي صول» و «صوت الموسيقى»، والفيلم مأخوذ عن قصة حقيقية دارت في النمسا، وكتبتها السيدة «ماريا فون تراب»، وقد حكت كيف هربت أسرتها إلى الولايات المتحدة، وعاشت هناك سعيدة بعد أن كونت فرقة موسيقية، وقد تحولت القصة إلى فيلم عام ١٩٥٨، كما تحولت إلى مسرحية غنائية فيما بعد، كما شاهدناها في فيلم مصري بطولة محمود ياسين عام ١٩٧٥ باسم «حب أحلي من الحب». «روبرت وايز» مخرج كبير برع في تقديم الكثير من الأفلام الغنائية التي حصلت على جوائز كبيرة، ومن أشهرها فيلم «قصة الحي الغربي «١٩٦١ وفيلم «النجمة» ١٩٧١.

مشاهدتان (٢)٠ تعليق