صبحي فحماوي الباحث عن جمالية الحياة: أشعر بضعف شديد في عالم النقد الأدبي العربي عامة


عمان- حاوره: محمد قابيل:

يذهب الروائي الاردني صبحي فحماوي إلى أن «القراءة متعة تحت باب (لذّة النص)»، وفيها «تواصل ممتع»، إذ أنه يكتب ليجعل «الحياة أجمل». و«لتكون الحياة هي الحب»، لافتا النظر إلى أن النقد الأدبي العربي عامة، قد ضعُف كثيراً مقارنة بما كان في الستينات من القرن الماضي. صبحي فحماوي صاحب الاثنتي عشرة رواية، منها» رواية عذبة، الحب في زمن العولمة، قصة عشق كنعانية ، السوداء ، على باب الهوى ، سروال بلقيس، صديقتي اليهودية ،اخناتون ونيفرتيتي الكنعانية، حدائق شائكة». وله تسع مجموعات قصصية منها:» موسم الحصاد، صبايا في العشرينات، الرجل المومياء» وله سبع مسرحيات ومشاهد مسرحية، وعقدت له جامعة شعيب الدكالي المغربية، المؤتمر الدولي الثالث للرواية العربية تحت مسمى؛ (دورة الروائي صبحي فحماوي) . فحماوي مهندس تنسيق الحدائق الذي عشق الكتابة منذ نعومة اظافرة ،الاردني صاحب الاصول الفلسطينية حيث انه مواليد الزينات بفلسطين عام ١٩٤٨،الحائز الجائزة الأولى والميداية الذهبية في التأليف المسرحي من جامعة الإسكندرية، ودرع “معرض رام الله الدولي للكتاب من وزير الثقافة الفلسطيني بالأضافه الي جائزة «الطيب صالح» عام ٢٠١٤عن مسرحية « حاتم الطائي المومياء « بعد أن قرأتُ الكثير من رواياته الممتعة، التقيت الأديب فحماوي، وتجولت في مختبره الإبداعي من خلال الحوار الآتي:

أريد أن يستمتع القراء بما أكتب.. فالقراءة متعة تحت باب «لذّة النص»

*في احدث رواياتك حدائق شائكة ، كيف جمعت كل هذه الخيالات لتكون في مدينة شهيرة هي (إرم ذات العماد) لا يُعرف مكانها في وسط الصحراء العربية، وجعلت التيار المتدفق لطريق الحرير التجارية والنفطية والإنسانية تمر من وسطها، وكيف جمعت بين الأثرياء جداً والفقراء جداً في بوتقة واحدة؟» فقال: مدينة (إرم ذات العماد) لم يُعرف مكانها في الشرق العربي حتى الآن..ولهذا شاهدت اللاجئين الفلسطينيين والسوريين والعراقيين والليبيين والخليجيين (البدون) يلتجئون إليها لعلهم يواصلون الحياة في أجواء بعيدة عن القتل والدمار الذي يعم المنطقة العربية كلها..فكان منهم من يعيش حول المدينة في المخيمات، في حيوات ترابية تدنو من عدم الحياة، وصار بعضهم مليارديراً يعيش فوق الريح..وهذا الملياردير الذي شكّل الرأسمالية المتوحشة، لم يلجأ للتصارع مع العمال ، لأن الإنسان الآلي هو الذي صار يعمل ، فعمّت البطالة، بينما ازداد ثراء الأثرياء..ولهذا هذا الملياردير بنى قصراً لزوجته وأفرلاد أسرته، ودفع لكل منهم النقود التي يريد، بينما بقي هو بعيداً عنهم، متفرغاً لأعماله، وملتهياً بنسائه اللواتي ليست لهن علاقة بأهل بيته..وبادلته زوجته بنشاطات حرة لا قيود عليها..في هذه الرواية، يكشف السارد عن المخفي الأعظم في حيوات الطبقة الرأسمالية المتوحشة، ويُطلع القراء على ما قد يجري في دواخلها من سلوكيات وتصرفات تختلف عن العرف المجتمعي التقليدي، رواية (حدائق شائكة) هذه تكشف عن الطبيعة الجديدة للأثرياء الجدد..ورغم النكد والأشواك التي تتكاثر في الرواية، إلا أن السارد كان يلطف الجو بشحنات من السخرية المبكية المضحكة، فيلون الرواية بأسلوب شيق يجعل القارىء لا يتوقف عن قراءتها إلا في الجلدة الأخيرة. * سبعة وثلاثون كتابا روائيا ومسرحيا وقصصيا ونقديا صدرت لك إلى الآن، في مختلف الأقطار العربية، ترى ما الذي تريد قوله من خلال هذا الإنتاج الإبداعي المتنوع؟ ما الرسالة التي تود إيصالها للناس؟ - من خلال كتاباتي التي ذكرت، أريد أن يستمتع القراء بما أكتب، فالقراءة متعة، تحت باب «لذّة النص».. ففي الوقت الذي ربما لا يوجد تواصل بين زوج وزوجته، تجد هناك لذة في التواصل بين شخص من اليابان مع شخص من كالفورنيا، وربما مع شخص يسكن المحطة الفضائية الدولية.. وهذا التواصل المدهش لكونه متطوراً جداً عن تواصل نملة تمد قرن استشعارها للتواصل مع نملة أخرى.. في القراءة تواصل ممتع. وأنا أنشد للقارئ متعة الكلمة أولاً.. «الكلمة كانت أولاً.» فأجدني أكتب لأجعل الحياة أجمل. أكتب لتكون الحياة هي الحب.. أكتب للتعبير عن غضب يحتقن في صدري.. أكتب ليتعرف قرائي على الحقيقة الواقعية، وذلك من خلال الاطلاع على تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، أريد أن أضيء لهم على الزوايا المعتمة، فأظهر لهم المخفي الأعظم، ما استطعت. أريدهم أن يحبوا هذا الوطن الذي يعيشون فيه، والذي يحملنا على أرضه، فيطعمنا ويسقينا ويأوينا ويحمينا، وهو الذي يحتضننا بحنان ونحن متعفنين بعد موتنا، والذي هو وطن الآباء والأجداد منذ عشرات آلاف السنين.. الوطن العربي أقصد.. * تحركت، وتتحرك، روائيا، بين الواقع تارة والتاريخ والأسطورة تارة أخرى، فما الذي يجعلك دائم (النبش) في المدونة التاريخية؟ وما الذي تبحث عنه هناك؟ - يبتدئ التاريخ من اللحظة الحاضرة إذ تنتهي بلحظتها.. منذ هذه اللحظة وما سبقها يعتبر تاريخاً.. وما دام الروائي يسرد معطيات هذه اللحظة وما قبلها، فهو يروي التاريخ. والتاريخ ليس هو المكتوب عن الكنعانيين والفراعنة والبابليين، بل هو كل ما يُكتب عما هو قبل هذه اللحظة التي يُقرأ فيها هذا الحوار.. وأما عن المستقبل فهو ما كتبته فيما يسمى «الخيال العلمي» وذلك واضح تماماً في روايتي «الإسكندرية ٢٠٥٠» حيث تصور هذه الرواية الحياة عام ٢٠٥٠، حيث يتحول لون البشر والحيوانات إلى الأخضر، أي بلون الشجر، وبذلك تجدهم كالشجر ينعمون بالغذاء المستمد من أشعة الشمس.. حين تصبح مصادر الطاقة كلها شمسيةً، فيتوقف تلوث البيئة، ويتخلص الناس والحيوانات من شرورهم المزروعة في كروموسوماتهم، وينتهي قتل بعضهم لبعض.. ويتفرغون للتأمل، وللتمتع بالحب، وممارسة الحب. * لنتاجك الأدبي بعامة، والروائي بخاصة، حضور متميز في دائرة البحث الأكاديمي العربي، ترى هل تعتقد أنك من المبدعين الذين أنصفهم النقد المحلي من جهة والعربي من جهة أخرى؟ - تشرفت بقيام أكثر من خمسين باحثا وباحثة من الجزائر الحبيبة وحدها بدراسة رواياتي وقصصي، فحصلوا على رسائل ماجستير ودكتوراه..وقدم العشرات من الباحثين العراقيين دراسات مشابهة، فحصلوا على أطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير. وتشرفت في الأردن بثلاثة باحثين ماجستير، وباحث واحد من كل قطر عربي من سوريا ومصر والمغرب حتى الآن. وقدم عدد من الباحثين الهنود والأتراك دراساتهم لرواياتي فحصلوا على الدكتوراه، مشكورين. لا أعرف ما إذا كنت مُنصَفاً، أم غير مُنصَف.. ولكنني أشعر بضعف شديد في عالم النقد الأدبي العربي عامة، مقارنة بما كان في الستينيات من القرن الماضي، من ثورة ثقافية تمّ ليُّ عنقها في السبعينيات وما بعدها، فصارت في حالة ضعف وهوان، وهذا يحتاج إلى بحث مطوّل. * ثمة نوع من التهافت من قِبَلْ بعض الأدباء على الجوائز، وبخاصة في حقل الرواية، إلى درجة أن بعضهم يقوم بـ(تفصيل) الرواية لتناسب الجهة المسؤولة عن الجائزة، وبعضهم يحسب نجاحه بما يحصده من جوائز.. كيف تقرأ هذا الكم الهائل من الجوائز الروائية العربية؟ وكيف تقيِّم أداء الكُتاب العرب حيالها؟ - هؤلاء ليسوا أدباء.. هؤلاء صيادون في الماء العكر.. هؤلاء مرتزقة يريدون العيش من وراء كتاباتهم، كما يعيش (العرضحالجي) الكاتب أمام المحكمة..هؤلاء ليس لديهم فكر، ولا انتماء وطني، وأنا أستغرب وأستهجن ارتماء معظم الكتاب العرب على هذه الجوائز – أقصد الموجّهة منها- التي تهدف في معظمها تطويع الكُتّاب أو تطبيعهم، أو تتبيعهم للآلة الغربية الهاجمة نحو وطننا بكل قسوة لا ترحم.. و معظم كتابنا يكتبون ليعيشوا، ومن يحصل منهم على جائزة من تلك التي نقصدها، تجده يكتب ليعيش في رغد وهناء..وفي الحقيقة، فإن كثيراً من الجوائز تعطى ترضية لمن يسمع الكلام، وليست لقيمة النص الأدبي، بهدف أن يطيع فيصبح قطعة من أوركسترا الدافع.


انتظروا روايتي الـ13 عن (هاني بعل الكنعاني) الذي قضى 40 سنة يحارب الوحش الروماني المتجه نحو الشرق

* طالبت، في شهادة إبداعية لك، بـ»الحوار السلمي بين شعوب العالم، وأفراد المجتمع، ورفض الاحتكام للسلاح. وطالبت بمقاومة المحتلين الغرباء الذين يحاولون السيطرة على بلادنا بالقوة»، وهي مطالبة ذكرتني بذلك الدور الذي يضطلع به نخبة من الأدباء العالميين في مجال السياسة. - وكما كنت، أجدني ما زلت أطالب بالحوار السلمي بين شعوب العالم، وأفراد المجتمع، ورفض الاحتكام للسلاح. وهذا لا يتجاهل مقاومة المحتلين الغرباء الذين يحاولون السيطرة على بلادنا بالقوة .. ولقد قال الروائي المميز يوسف القعيد، قبل أن يقعد في مجلس الشعب، «إن الكتابة لا تكون إلا اعتراضية» وبالنسبة لي فإنني ما زلت - كما كنت- أعترض على الظلم..أعترض على الجهل..أعترض على التخلف..أعترض على مهانة الكرامة.أعترض على عدم مقاومة العدو..ما استطعت. وأحب أن تكون علاقات الناس وعلاقات الشعوب وعلاقات الدول منسوجة بالحب.. فالحب هو الهدف الأسمى للحياة، ولا حياة بلا حب، وانسجام بين الناس أينما كانوا. * كيف تنظر للعلاقة من المبدع/ المثقف والسياسة؟ ألا ترى أن تحرك المبدع/ المثقف في الشأن السياسي يكمل رسالته الأدبية؟ ومن ثم هل ترى أثرا للمبدع/ المثقف العربي في هذا الإطار؟ - لم أنتظم في أي حزب أو تنظيم أو جماعة طيلة حياتي، إلا أنني أرى أن السياسة التي خوفونا منها، ليست فاحشة، بل هي وسيلة للتفكير والتطوير والتغيير، والنقد البناء..ثم إن انتماء كاتب لتنظيم سياسي يجعل له جماعة يهتفون باسمه.. أقصد هو مستفيد من هذه الجماعة التي تُسوِّق أفكاره وآراءه..وهذا ما أفتقده بصراحة.. إذ أنني أكتب للشارع العام.. للناس القارئين على الرصيف. * ثمة هوة بين الشباب والقراءة، بل بين بعض الأدباء والقراءة..، ومن باب المسؤولية الأدبية والمعرفية، ما الذي يمكن عمله لتجاوز تلك الهوة وإعادة الشباب إلى رحاب القراءة؟ - لقد تغيرت الأسئلة، فمن لا يقرأ الكتاب الورقي، صار يقرأ في وسائل التواصل الاجتماعي التي تقوم بالواجب.. فلولا الشبكة العنكبوتية، لما عرفني قُراء أوروبا والولايات المتحدة والهند وتركيا وإيران وقراء الوطن العربي. ولا أعتقد أن الماضي كان غارقاً بالقراءة.. فلقد تم تجهيلنا في عصور الاستعباد التي مرت علينا، وسبق أن كُنّا أهم المخترعين في العالم..إذ اخترعنا الأرقام والحروف وحتى (الألف باء تاء) صارت في الغرب (الألفابتك)..المشكلة تكمن في الأمية التي ما تزال تزداد في وطننا العربي بسبب الدمار القادم من الغرب، فلقد كان أبي وأمي أُميّان، لا يقرآن ولا يكتبان، وذلك بفعل (الاستخراب أو الاستعمار المقنّع.) * ماذا عن مشاريعك الإبداعية المقبلة؟ هل من شيء ناجز منها؟ هل من شيء قيد الإنجاز الآن؟ - بعد نشر روايتي الثانية عشرة، بعنوان (حدائق شائكة) أجدني على وشك إنجاز روايتي الثالثة عشرة بعنوان (هاني بعل الكنعاني) القرطاجني الكنعاني من أصل مملكة صور، الذي قضى أربعين سنة يحارب الوحش الروماني المتجه نحو الشرق ليقتل بسيفه كل شيء، ويستولي على كل شيء، ويحرق تراثنا وكتبنا في مكتبة الإسكندرية وغيرها، ويقضي على حضارتنا التي تقوم على الزراعة والصناعة والتجارة، وذلك بعد أن نقل عنا دين مسيحنا الكنعاني عيسى عليه السلام، وأخذ منا آلهته، فكان زيوس وجوبيتر هما تقليد لإلهنا آمون المصري، و بعل الكنعاني، وكانت أفروديت وفينوس تقليداً لإلهتينا الكنعانيتين؛ عنات، ربة الطهر والزواج المقدس.. وعشتار ربة الجنس والحب المقدس، وإيزيس المصرية الشهيرة.


كثير من الجوائز تعطى ترضية لمن يسمع الكلام وليست لقيمة النص الأدبي
41 عرض0 تعليق